ساسي سالم الحاج

188

نقد الخطاب الاستشراقي

مقتله . وبعد مضي سنة تماما من وفاة كعب طردت قبيلة بني النضير من المدينة . ومبرّر ذلك الطرد يتلخّص في ذهاب الرسول إليهم وطلبه منهم المساهمة في دفع دية قتيلين وبينما كان ينتظر الجواب غادر محمد المكان مسرعا تاركا أصحابه هناك . وعندما لحقوا به في المدينة أخبرهم أن القوم كانوا يتآمرون عليه لقتله وطلب من تلك القبيلة مغادرة المدينة تحت طائلة الموت في مدة عشرة أيام . ويشك « وات » في هذا التبرير ولكنه يفسّر الواقعة بأنها دفاع عن النفس لأن الرسول يعلم جيدا ، حسب الآراء السائدة في شبه الجزيرة ، آنذاك ، أنه إذا سنحت الفرصة المناسبة انتهزها أعداؤه وقتلوه . وكان التأخير في إعطاء الجواب لإتاحة الفرصة لقتله ولهذا اعتبر عملا عدائيّا « 1 » . وكانت نتيجة الحصار المضروب عليهم أن غادروا المدينة باتجاه خيبر بعد أن تخلّوا عن أسلحتهم ومحصول التمر الخاص بهم واستولى المهاجرون على مساكنهم ومزارع نخيلهم . ولم تقف المصادمات العسكرية بين الطرفين عند هذا الحدّ . فقد استمرّ اليهود في التآمر من خيبر ضد المدينة ، وقاموا بدور كبير في إنشاء الحلف الكبير الذي جاء لحصار المدينة . وكان بنو قريظة ما زالوا بالمدينة في أثناء حصارها ، ويقول « وات » : إنها قد ظلّت على الحياد إبّان الحصار ولكنها قامت بمفاوضات مع أعداء محمد ولو أنها وثقت بقريش وحلفائهم من البدو لانقلبت عليه . وهكذا هاجم محمد بني قريظة بعد أن تخلّص من أعدائه . وبعد حصارها في أطمها طلبت الاستسلام بنفس الشروط التي استسلم بها بنو النضير . وبعد مفاوضات طويلة استسلمت بدون قيد أو شرط . وخضعت لحكم سعد بن معاذ القاضي بقتل الرجال ، وتقسيم الأموال وسبي الذراري والنساء ، وقد نفذ الحكم في اليوم التالي كما يبدو . رد « وات » على انتقاد الكتّاب الغربيين لهذا الحكم القاسي لأنه يرى - أي وات - أن الولاء للأمة الإسلامية هو فوق كل ولاء . وأن حلفاء بني قريظة من الأوس عندما تركوهم فلأنهم نقضوا العهود التي أبرموها مع الرسول « 2 » . وهكذا أدّت هذه السلسلة من المعارك والصراعات إلى إجلاء اليهود عن المدينة ثم الاستيلاء على معقلهم الأخير في خيبر . وأخيرا تمّ إجلاؤهم النهائي من الجزيرة العربية إبّان خلافة عمر بن الخطاب .

--> ( 1 ) المرجع السابق ، ص 323 . بتصرف كبير . ( 2 ) المرجع السابق ، ص 330 .